الصالحي الشامي

91

سبل الهدى والرشاد

أكلتها أنعم منها وإني لأرجو أن تأكل منها . وبينا هو يسير بنهر على حافيته الدر المجوف ، وإذا طينة مسك أذفر فقال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هو الكوثر . ثم عرضت عليه النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته ، ولو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها ، فإذا بقوم يأكلون الجيف ، فقال : - من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس . ورأى رجلا أحمر أزرق فقال : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا عاقر الناقة . ورأى مالك خازن النار ، فإذا رجل عابس يعرف الغضب في وجهه ، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام ، ثم أغلقت دونه ، ثم رفع إلى سدرة المنتهى ، فغشيها من أنوار الخلائق ومن أنوار الملائكة أمثال الغربان حين يقض على الشجرة وينزل على كل ورقة ملك من الملائكة فغشيها سحابة من كل لون . وفي حديث أن جبريل قال له : إن ربك يسبح . قال : وما يقول ؟ قال : يقول : ( سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح ، سبقت رحمتي غضبي ) . فتأخر جبريل ، ثم عرج به حتى ظهر لمستوى سمع فيه صريف ( 1 ) الأقلام . ورأى رجلا مغببا في نور العرش ، فقال : من هذا ؟ ملك ، قيل : لا ، قال : نبي ، قيل : لا ، قال : من هو ؟ قيل : هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطب من ذكر الله ، وقلبه معلق بالمساجد ، ولم ينتسب لوالديه قط ، فرأى ربه سبحانه وتعالى ، فخر النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا ، وكلمه ربه تعالى عند ذلك . فقال له : يا محمد . قال : لبيك يا رب . قال : سل : فقال : إنك اتخذت إبراهيم خليلا ، وأعطيته ملكا عظيما وكلمت موسى تكليما ، وأعطيت داود ملكا عظيما وسخرت له الجن والإنس والشياطين وسخرت له الرياح وأعطيته ملكا لا ينبغي لاحد من بعده . وعلمت عيسى التوراة والإنجيل ، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك ، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان عليهما سبيل . فقال الله سبحانه وتعالى : قد اتخذتك حبيبا . قال الراوي : وهو مكتوب في التوراة : حبيب الله . وأرسلتك للناس كافرة بشرا ونذيرا ، وشرحت لك صدرك ، ووضعت عنك وزرك ، ورفعت لك ذكرك ، لا أذكر إلا وذكرت معي وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس وجعلت أمتك أمة وسطا ، وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون ، وجعلت أمتك لا يجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي ، وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم ، وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا ، وأولهم يقضى له ، وأعطيتك سبعا من المثاني لم أعطها نبيا قبلك ، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبيا قبلك ، وأعطيتك الكوثر ،

--> ( 1 ) أسمع صريف الأقلام أي صوت جريانها بما تكتبه من أقضية الله تعالى ووحيه ، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ . انظر النهاية لابن الأثير 3 / 25 .